خليل الصفدي
134
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
وانظر إلى القرآن الكريم والأحاديث النبوية والآثار المروية عن الصحابة والسلف هل تجد الجناس في ذلك كله الا اقلّ من غيبة الرقيب ، ووصل الحبيب ، ولم أقل هذا غضّا من قدره ، ولا فضّا لختم سرّه ، إذ هو البحر العجّاج وفارس الكتابة الذي يفرّج بانابيب أقلامه مضايق العجاج ؛ ولكن لما زاد في استعمال الجناس ، ضاقت بتردّده الأنفاس ، وأصبح الكلام من القلوب وحشيّا ، ومن الاسماع حوشيّا ، الا ترى قوله : « فلما أراد اللّه الساعة التي جلّاها لوقتها ، والآية التي لا أخت لها فتقول هي أكبر من أختها ، أفضت الليلة الماطلة إلى فجرها ، ووصلت الدنيا الحامل إلى تمام شهرها ، وجاءت بواحدها الذي تضاف اليه الاعداد ، ومالكها الذي له الأرض بساط ، والسماء خيمة والحبك اطناب والجبال أوتاد ، والشمس دينار والقطر دراهم والأفلاك خدم والنجوم أولاد » ، لما كان هذا خاليا من الجناس عذب في السمع وقعه ، واتسع في الاحسان صقعه ، ورشفه اللبّ مدامة ، وكان عند من له ذوق اطرب من تغريد حمامة ، وقوله : « ورد الكتاب الكريم الأشرف الذي كرّم وشرّف ، وأسعد وأسعف ، وأجنى العزّ واقطف ، وأوضح الجدّ وعرّف ، وقوّى العزم وصرّف ، والهج بالحمد واشغف ، وجمع شمل الحبى والّف ، فوقف الخادم عليه وأفاض في شكر فيض فضله المستفيض ، وتبلّج وجه وجاهته وتأرّج نبا نباهته ، ما عرفه من عوارفه البيض ، وامنت بمكارمه المكاره ، وزاد في قدر التايه قدره النابه ، وافترّت مباسم مراسمه عن ثنايا مناجحه ، ورفد طلائع صنائعه ، فسرّ بمن منائحه » ، واستمرّ على هذا النهج إلى آخره فانظر إلى قلق هذا الترتيب وكل كلامه من هذا النمط وغالب ما ينشئه إذا تحامل السمع له سقط ولم يكفه هذا انه يكثر من ردّ العجز على السدر كقوله : « وسرّ أولياءه وأولى مسرّته ، وأقدر يده وايّد قدرته ، وآزر دولته وادال موازرته ، وبسط مكنته ومكّن بسطته ، وأسعد جدّه واجدّ سعادته ، وأراد نجحه وانجح ارادته ، واجلّ جيله وسرّ